ابن الجوزي
177
زاد المسير في علم التفسير
قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون ( 48 ) قوله تعالى ( وقال الذي نجا منهما ) يعني الذي تخلص من القتل من الفتيين ، وهو الساقي ، ( وادكر ) أي : تذكر شأن يوسف وما وصاه به . قال الزجاج : وأصل ادكر : ادتكر ، ولكن التاء أبدلت منها الدال ، وأدغمت الذال في الدال . وقرأ الحسن : " وادكر " بالدال المشددة . وقوله تعالى : ( بعد أمة ) أي : بعد حين ، وهو الزمان الذي لبثه يوسف بعده في السجن ، وقد سبق بيانه . وقرأ ابن عباس ، والحسن " بعد أمة " أراد : بعد نسيان . فإن قيل : هذا يدل على أن الناسي في قوله : " فأنساه الشيطان ذكر ربه " هو الساقي ، ولا شك أن من قال : إن الناسي يوسف يقول : لم ينس الساقي . فالجواب : أن من قال : إن يوسف نسي ، يقول : معنى قوله : " وادكر " ذكر ، كما تقول العرب : احتلب بمعنى حلب ، واغتدى بمعنى غدا ، فلا يدل إذا على نسيان سبقه . وقد روى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال : إنما لم يذكر الساقي خبر يوسف للملك حتى احتاج الملك إلى تأويل رؤياه ، خوفا من أن يكون ذكره ليوسف سببا لذكره الذنب الذي من أجله حبس ، ذكر هذا الجواب ابن الأنباري . قوله تعالى : ( أنا أنبئكم بتأويله ) أي : من جهة يوسف ( فأرسلون ) أثبت الياء فيها وفي ( ولا تقربون ) ( أن تفندون ) يعقوب في الحالين ، فخاطب الملك وحده بخطاب الجميع ، تعظيما ، وقيل : خاطبه وخاطب أتباعه . وفي الكلام اختصار ، المعنى : فأرسلوه فأتى يوسف فقال : يا يوسف يا أيها الصديق . والصديق : الكثير الصدق ، كما يقال : فسيق ، وسكير ، وقد سبق بيانه . قوله تعالى : ( لعلي أرجع إلى الناس ) يعني الملك وأصحابه والعلماء الذين جمعهم لتعبير رؤياه . وفي قوله : ( لعلهم يعلمون ) قولان : أحدهما : يعلمون تأويل رؤيا الملك . والثاني : يعلمون بمكانك فيكون سبب خلاصك . وذكر ابن الأنباري في تكرير " لعلي " قولين . أحدهما : أن " لعل " الأولى متعلقة بالإفتاء ، والثانية : مبنية على الرجوع ، وكلتاهما بمعنى " كي " . والثاني : أن الأولى بمعنى " عسى " ، والثانية بمعنى " كي " فأعيدت لاختلاف المعنيين ،